2026-04-27 · 14:46
في قاعدة بيانات واسعة، جمع علي جباي معلومات عن آلاف القتلى المجهولين جراء الحرب في السودان، مع صورهم ومواقع المقابر، في وظيفة عسيرة ومؤلمة، على أمل أن تجد العائلات الحزينة ذويها المفقودين يوما ما.
ويذكر جباي، الذي يشغل مهنة مهندس في الأصل، لوكالة فرانس برس: "نقوم بتصوير كل جثة ونبحث في جيوب الملابس عما قد يدل على هويتهم (القتلى). وعند الدفن، نضع علامة واضحة على كل قبر”.
قبل مواراة الثرى، ينتظر جباي 72 ساعة بعد أن يعرض صور القتلى على مواقع التواصل الاجتماعي، لعل أن يتعرف عليهم أحد.
ونتجت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي دخلت عامها الرابع عن وفاة عشرات الآلاف، بالإضافة إلى 11 ألف مفقود، وفقاً لبيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وصرح نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان خوسيه لويس بوزو جيل لوكالة فرانس برس: "هذه التقديرات محبطة. لا يمكن تجاهل الصدمة وتأثيرها" على شعب "لا يعرف ماذا يحصل”.
ويسرد علي جباي الذي وارى مع فريقه 7000 شخص أن الجثث ملأت شوارع الخرطوم عند ذروة القتال. ويقول: "خفنا أن تتعفن" في العراء، فبدأ هذا الجهد التطوعي "من أجل مجهولي الهوية”.
في غرفة المستشفى الصغيرة التي لا يبرد جوها سوى جهاز تكييف، والتي يستعملها جباي كمشرحة، مُدَّ جثمان امرأة على الأرض وقد غطى ثوبها البني وجهها وجسمها.
في حال لم يميزها أحد، سيقوم فريق المتطوعين بتجهيزها ووضعها في مكان قريب.
ولا تتوفر حصيلة دقيقة لضحايا الحرب، بسبب عجز الحركة وتوثيق البيانات. غير أن عاملي الإغاثة يقدّرون حصيلة أربع سنوات من الحرب الطاحنة بنحو مئتي ألف متوفى.
وكثيرا ما أُجبر المسعفون، أثناء المعارك الأشد عنفاً أو قصف المرافق كالمدارس والمستشفيات، على مواراة القتلى بملابسهم أو في أكياس بلاستيكية، لعدم توافر أكفان كافية.
ويذكر مدير الطب العدلي في وزارة الصحة هشام زين العابدين أن مشارح العاصمة كانت مكتظة حتى قبل الحرب. وخرجت هذه المشارح من الخدمة بعد نشوب الحرب، وفقا للجنة الدولية للصليب الأحمر.
وبسبب الاشتباكات المستمرة والحصار وطلقات الرصاص والمدفعية الآتية من كل جانب، أُكرِهت آلاف العائلات على دفن موتاها في قبور مؤقتة وضحلة أمام المنازل وفي الميادين، ما حوّل الخرطوم إلى مقبرة مفتوحة.
ويعتقد زين العابدين: "هذا يترك أثرا في المجتمع؛ فهو يحط من كرامة الإنسان ويُطبِّع الموت”.
وقد تمكنت عائلات من تحديد جثث أبنائها، لكن عددا كبيرا من الجثث ظل مجهول الهوية. وتحتفظ السلطات بعينات من الشعر أو العظام على أمل أن يتم التعرف عليهم فيما بعد.
ويظهر علي جباي صلابة وهو يمارس عمله، لكن التأثر سرعان ما يطغى على ملامحه حين يروي قصة شاب ظل يبحث لأكثر من عام عن أبيه وعمه، وكيف انهار حين أُبلغ بمقتلهما في الشارع في أول أيام الحرب.