2025-09-28 · 16:53
من ضواحي باريس الهادئة، حيث تتراقص أوراق الأشجار مع نسائم الخريف في حديقة "البارك دوسو"، تنطلق حكاية مفكر سوري استطاع أن يحول أسئلته الوجودية إلى مسيرة فلسفية مؤثرة، ليصبح واحدا من أبرز الأصوات الفكرية العربية في فرنسا، محققا حلما بدأ من قرية صغيرة في السويداء وامتد إلى قاعات جامعة السوربون العريقة.
ضيف نور حريري في برنامج "غربة" هو الدكتور خلدون النبواني، المفكر والفيلسوف وأستاذ الفلسفة في السوربون والمحلل السياسي، الذي غادر سوريا عام 2004 في سن الحادية والعشرين، حاملا معه حقيبة من الأحلام وكتب في الفلسفة والأدب، ليواجه تحديات الغربة بعناد لا يعرف الاستسلام، محولا البساطة الريفية إلى عمق فلسفي يلامس قلوب المثقفين في العالم.
نشأ خلدون في ريف دمشق بجرامانا، لكن وعيه تشكل في قرية صغيرة بالسويداء، في أحضان عائلة دافئة تميزت بانفتاحها وتسامحها، يتذكر طفولته في بيئة متنوعة دينيا، حيث تعايش الدروز والمسيحيون والمسلمون بسلام، قائلا: "لا أتذكر أبدا أنني سمعت كلمة الدروز في البيت، سمعتها في المدرسة"، هذا التنوع والانفتاح العائلي أثر عميقا في تكوين شخصيته الفلسفية، حيث تعلم منذ الصغر تجاوز الانتماءات الضيقة.
كان طفلا حالما يحب الصعود إلى سطوح البيوت والنظر إلى المدى البعيد، يشعر بداخله برغبة عارمة للسفر والوصول إلى عوالم أخرى، هذا الشعور بالحنين للبعيد كان بمثابة البذرة الأولى لرحلته الفكرية المقبلة، حيث أدرك مبكرا أنه مختلف عن أقرانه وأن عليه "القفز فوق السور" كما يقول محمود درويش.
بدأت قصة خلدون مع الفلسفة من خلال الأدب، حيث انجذب إلى نوعية خاصة من الكتابات الوجودية والمتسائلة، كان دوستويفسكي ونجيب محفوظ في "أولاد حارتنا" من أهم التأثيرات المبكرة في حياته، حيث وجد في هذه الأعمال الأسئلة الكبرى التي كانت تعتمل في داخله، وهذا المزج بين الأدب والفلسفة أصبح لاحقا سمة مميزة لمشروعه الفكري، حيث يؤمن بأن "معظم الطرق في العالم العربي التي قادت للفلسفة مرت عبر الأدب".
عام 2004، اتخذ خلدون القرار الصعب بالسفر إلى فرنسا لدراسة الفلسفة على حسابه الشخصي دون منحة أو دعم، وصل إلى باريس شابا في الحادية والعشرين، لا يتقن الفرنسية ولا يعرف أحدا، ليبدأ واحدة من أصعب تجارب حياته. كانت البدايات قاسية للغاية، حيث عاش على راتب شهري قدره 700 يورو، يدفع منه 175 يورو إيجار سكن في المدرسة.
اللحظة الأكثر قسوة جاءت عندما نفدت أمواله ولم يبق معه سوى كيلو عدس وكيلو برغل أحضرتهما له والدته من سوريا، والتي كان قد رفضها في البداية تمردا على "ثقافة الحمل من البلد"، يتذكر تلك الفترة قائلا: "كتبت حينها: حينما يصبح حلمك بصلة، مجرد بصلة"، حيث كان يحلم بشراء بصلة ليطبخ المجدرة لكنه لم يملك حتى يورو واحد.
في أحد أيام اليأس، قسم الزيت المتبقي معه على أسبوع، ووضع علامات على القنينة البلاستيكية ليحدد الكمية اليومية المسموحة، وصل به الحال إلى الاتصال بوالده ليطلب تذكرة عودة إلى سوريا، لكنه كذب عليه قائلا إنه بخير، ثم جلس يبكي تحت المطر.
المعجزة حدثت بعد أسبوع من تلك المحنة، عندما اتصل به صديق ليعرض عليه تدريس اللغة العربية، هذا العمل أنقذه من الجوع وأعطاه الأمل للمتابعة، العناد الذي يصفه بأنه سر استمراره، دفعه لتحمل كل الصعوبات وعدم الاستسلام لفكرة العودة.
تخرج خلدون من جامعة السوربون بدرجة الدكتوراه، وأصبح أستاذا للفلسفة في إحدى أعرق الجامعات في العالم، ألّف 11 كتابا، مع صدور الكتاب الثاني عشر قريبا، ومن أبرز أعماله كتاب "التباسات الحداثة" الذي حقق نجاحا أكاديميا واسعا وتم تدريسه في عدة جامعات، كما عمل في الترجمة، حيث ترجم عدة كتب من الفرنسية إلى العربية، بما في ذلك رواية وكتاب عن السعادة.
إلى جانب عمله الأكاديمي، برز خلدون كمحلل سياسي على التلفزيون الفرنسي، خاصة منذ بداية الربيع العربي عام 2011، مواقفه الصريحة ضد النظام السوري جلبت عليه تهديدات وتشبيحا، وأدت إلى منعه من دخول سوريا منذ 2009، يقول: "آخر مرة كنت في سوريا كان في 2009 لحضور عرس أخي، بعدها وصلت تهديدات لأهلي وأصبحت ممنوعا من الدخول".
رغم استقراره في باريس منذ أكثر من عشرين عاما، لا يزال خلدون يشعر بالغربة، خاصة في الوسط الأكاديمي الفرنسي، يصف علاقته بباريس قائلا: "علاقة وطن حقيقة، لكن باريس من المدن التي تسكننا أكثر مما نسكنها"، رغم حبه للمدينة واعتبارها وطنا ثانيا، يشعر أحيانا بالتمييز في الجامعة، خاصة عند المنافسة على الوظائف النادرة في تخصص الفلسفة.
أما عن السويداء، فيحمل مشاعر مختلطة من الحب والخوف من العودة، يقول متأثرا بشعر محمود درويش: "إن عادوا لك المقاهي، من يعيد لك الرفاق؟"، يخاف من العودة ليجد عالما مختلفا، أشخاصا رحلوا وذكريات تبددت، لكنه يحتفظ بالأمل في العودة يوما ما "عندما أشعر أنني سأذهب ولن يوقفني أحد".
يعمل خلدون حاليا على مشروع طويل المدى هو "حوار مع أفلاطون"، وهو عمل فلسفي طموح يتطلب سنوات من البحث والكتابة، كما يكتب سيرته الذاتية، محاولاً توثيق رحلته من قرية صغيرة في السويداء إلى قاعات السوربون.
أما حلمه الأكبر فيتلخص في كلمات بسيطة وعميقة: "أن نعيش بسلام حقيقة، أن نحيا حياة كالحياة كما قال محمود درويش"، يتمنى أن يترك أثرا حقيقيا في هذا العالم، وأن يتوقف عن تعذيب نفسه بسؤال أنه لم يقم بشيء حقيقي، فهو كما كتب في أحد كتبه: "الغريب الذي جاء إلى هذا العالم ليوقع اختلافه ويرحل".
الدكتور خلدون النبواني يمثل نموذجا للمثقف العربي المغترب الذي استطاع أن يحول معاناة الغربة إلى إنتاج فكري مؤثر، مؤكدا أن الفلسفة ليست مجرد تنظير أكاديمي، بل محاولة لربط الفكر بالحياة العملية وتجاوز الحدود الضيقة للتخصصات، من قرية صغيرة في السويداء إلى جامعة السوربون، حمل معه أسئلة الطفل الريفي الذي كان يحلم بالبعيد، ليحولها إلى مشروع فلسفي يلهم الأجيال القادمة في رحلة البحث عن المعنى والحقيقة.