2025-10-05 · 20:56
من قلب الريف الفرنسي الهادئ، حيث تحتضن الطبيعة بيتا مليئا بالكتب واللوحات، تنطلق حكاية شاعر عراقي حوّل المنفى إلى وطن، والغربة إلى مشروع أدبي يمتد لخمسين عاما، ليصبح واحدا من أبرز الأصوات الشعرية العراقية في المهجر، رغم أن العراق لم يغادر وجدانه يوما، بل بقي جرحاً مفتوحا وذاكرة لا تُمحى.
ضيف نور حريري في برنامج "غربة" هو صلاح الحمداني، الشاعر والفنان المسرحي العراقي، أحد أبرز الأقلام في أدب المنفى، الذي غادر بغداد قبل خمسة عقود، حاملا معه ذاكرة طفولة قاسية وتجربة سجن أليمة، ليواجه تحديات الغربة بقلم لا يتوقف عن الكتابة، محولا الألم إلى شعر، والحنين إلى مشروع أدبي ثري.
نشأ صلاح في بغداد ضمن عائلة فقيرة بسيطة، عشرة أشخاص يعيشون في غرفة واحدة. كان والده يوقظه فجراً ليشتري "خبزة بالعانة" - خبز الفقراء - لإطعام العائلة. هكذا خاض الحياة من سن صغيرة، في أجواء شخصية صقلت روحه وأعدته لرحلة طويلة من الصراع والبحث.
تطوع صلاح في الجيش العراقي وهو بين السادسة عشرة والسابعة عشرة، واختار أن يكون مظليا. عندما رفض الانضمام للحزب، أُرسل إلى الشمال العراقي، حيث سمع أصوات أطفال كورد يُعذّبون. عندما قرر مع أصدقائه تحريرهم، اعتُقل واختفى لستة أشهر.
في السجن، التقى بسجين كان يهمس بكلمات جميلة. سأله صلاح عن مصدرها، فأجابه: "هذا شعر". لم يكن صلاح يعرف معنى الشعر، فكان هذا أول سؤال تعلّمه في حياته: "شنو يعني شعر؟"
أجابه السجين بجملة غيّرت مسار حياته: "أي شخص عنده شعور إنساني وعنده عواطف وحاسس، يقدر يكتب شعر". يقول صلاح: "كل هذا الذي كوّنته في حياتي، هو بسبب هذه الكلمة البسيطة".
بعد خروجه من السجن، اكتشف صلاح أن اسمه على قائمة سوداء. في مقهى بغداد، كان قد اكتشف ألبير كامي، الكاتب الفرنسي الذي أثّر فيه بعمق. قرر بفكرة بسيطة لكنها عميقة: "هذا كاتب جيد، هذا بلد جيد"، ومن هنا جاء قراره: "لنذهب إلى باريس".
في باريس، بنى صلاح مشروعا أدبيا ضخما: كتب الشعر والقصة والسرد، عمل في المسرح والإخراج، وألّف العديد من الكتب. يُفسّر هذا الدافع بقوله: "خرجت من جحيم. من يخرج من الجحيم، كل ما يعيشه هو شيء إضافي".
من أبرز أعماله كتاب "فلسطين خليلتي"، حيث سمّى الأشياء بأسمائها، وكتاب "يسمونني الغريب"، الذي يؤكد فيه على غرابته كموقف فلسفي: "اليوم أنا أقول أنني غريب، لا تتعب نفسك. ثقافتي تختلف عنك، مأكلي يختلف عنك، عيوني سود تختلف عنك. أنا أؤكد على هذا الموضوع".
كانت إيزابيل، زوجته الفرنسية، جزءا أساسيا من مشروعه. ترجمت له أعماله وترجم لها أعمالها. يقول عنها: "لولاها أنا لن أكون بهذا المستوى الشعري والكتابي. العلاقة أبدية لأننا نتفق فكريا وفلسفيا على الحياة".
رغم مرور خمسين عاما، لم يغادر صلاح بغداد حقيقةً. عاد مرة واحدة بعد ثلاثين عاما، لكنه لم يستطع البقاء: "عندما خرجت من العراق، خرجت من فيلم يستمر دون وجودي فيه. وعندما رجعت، دخلت في الفيلم لكن البلد ليس نفس البلد".
عندما يُسأل عن موقعه الجغرافي اليوم، يجيب: "أنا في لا مكان". العودة النهائية مستحيلة، لكن العراق يبقى قسمته ومصيره.
يقول صلاح عن الكتابة: "أكتب حتى أكون موجودا. الكتابة تهزّك وتضعك على الطاولة. كأنما أريد أن أساعد نفسي على الوقوف. أنا بدون الكتابة لا شيء".
صلاح الحمداني يمثّل نموذجا للمثقف العراقي المنفي الذي حوّل الجرح إلى قصيدة، والسجن إلى منبع إبداع، والغربة إلى مشروع أدبي ممتد. من غرفة صغيرة في بغداد إلى بيت في الريف الفرنسي، حمل معه سؤالا واحدا تعلّمه في السجن: "ما معنى الشعر؟" ليقضي خمسة عقود يجيب عليه بكل قصيدة يكتبها، مؤكدا أن الشاعر الحقيقي هو من يحمل وطنه في قلبه وكلمته في يده، حتى لو كان منفيا في الجغرافيا، مقيما في الذاكرة واللغة.